محمد سعيد رمضان البوطي
79
فقه السيرة ( البوطي )
الشاقة الطويلة إلى هذه الغاية مهما بلغت المسألة في خطورتها وصعوبتها . ولو شاء اللّه لجعل السبيل إلى إقامة المجتمع الإسلامي بعد الإيمان به ، سهلا معبّدا ولكن السير في هذه السبيل لا يدل حينئذ على شيء من عبودية السالك للّه عز وجل وعلى أنه قد باع حياته وماله له عز وجل يوم أن أعلن الإيمان به ، وعلى أن جميع أهوائه تابعة ومنقادة لما جاء به الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، ولأمكن حينئذ أن يلتقي على هذه الجادة المؤمن والمنافق والصادق والكاذب ، فلا يتمحص الواحد منهم عن الآخر . وإذا فإن ما يلاقيه الدعاة إلى اللّه تعالى والمجاهدون في سبيل إقامة المجتمع الإسلامي سنة إلهية في الكون منذ فجر التاريخ تقتضيها حكم ثلاث . أولا : صفة العبودية الملازمة للإنسان ، للّه عز وجل ، وصدق اللّه إذ يقول : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ( 56 ) [ الذاريات : 56 ] . ثانيا : صفة التكليف المتفرعة عن صفة العبودية ، فما من رجل أو امرأة يبلغ أحدهما ، عاقلا ، سن الرشد ، إلا وهو مكلف من قبل اللّه عز وجل بتحقيق شرعة الإسلام في نفسه وتحقيق النظام الإسلامي في مجتمعه ، على أن يتحمل في سبيل ذلك كثيرا من الشدة والأذى ، حتى يتحقق معنى التكليف . ثالثا : إظهار صدق الصادقين وكذب الكاذبين ، فلو ترك الناس لدعوى الإسلام ومحبة اللّه تعالى على ألسنتهم فقط ، لاستوى الصادق والكاذب ، ولكن الفتنة والابتلاء ، هما الميزان الذي يميز الصادق عن الكاذب ، وصدق اللّه القائل في محكم كتابه : ألم ( 1 ) أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ( 2 ) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ ( 3 ) [ العنكبوت : 1 - 3 ] والقائل : أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ( 142 ) [ آل عمران : 142 ] . وإذا كانت هذه هي سنة اللّه في عبادة ، فلن تجد لسنة اللّه تبديلا حتى مع أنبيائه وأصفيائه ، من أجل ذلك أوذي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وأوذي من قبله جميع الأنبياء والرسل ، ومن أجل ذلك أوذي أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى مات منهم من مات تحت العذاب وعمي من عمي ، رغم عظيم فضلهم وجليل قدرهم عند اللّه عز وجل . فإذا أدركت طبيعة العذاب الذي يلقاه المسلم في طريقه إلى إقامة المجتمع الإسلامي ، علمت أنه ليس في حقيقته عقبات أو سدودا تصد السالك أو المجاهد عن بلوغ الغاية ، كما قد يتوهم بعض الناس ، بل هو سلوك في الطريق الطبيعي الذي خطه اللّه